صبري القباني

8

الغذاء . . . لا الدواء

إذن . . فقد أفاء العلم الحديث على الإنسانية فيضا من النعم ، فحوّلناها - بجهلنا ومبالغتنا - إلى معاول تعمل في أجسامنا تخريبا ، فالأدوية التي عكف العلماء والأطباء ليل نهار على إتحاف الإنسانية بها لدرء أذى الأمراض ، وتخليصها من شر الألم والعذاب ، تلقتها المعامل والمتاجر لتخرجها ابتغاء ابتزاز الأموال ، بعد أن تغري الناس باقتنائها مرفقة بالدعايات والإعلانات فيستعملونها كيفما اتفق ، ويتعاطونها كيفما كان . . فيما ينفع وفيما لا ينفع . . ما تسبب في إضعاف المقاومة في الأجسام ، واضطرارها للاعتماد على الأدوية في اصطناع المقاومة والفعالية ، بدلا من الاعتماد على الوسائل الطبيعية التي جهز الجسم بها . فالبنسلين الذي كان ظهوره معجزة القرن العشرين الدوائية ، لم يعد يفيد اليوم . . وآثاره لم تعد مجدية وفعالة كما كانت عندما اكتشف . . فلما ذا ؟ . لأن الناس أساؤوا استخدامه فبطل مفعوله ، فالأجسام اعتادت عليه ، والجراثيم صادقته وتآلفت معه . والقول نفسه ينطبق أيضا على « الهيموغلوبين » . . فلقد وصفته الدعايات بأنه مغذ ومفيد ، وأنه يحمل الصحة والعافية ، وكذا شراب الحديد وحبوبه ، فهي تقوي الإنسان وتجعل جسمه متينا ووجهه منيرا . . ولكن لو نتساءل - بروح علمية مجردة - : - هل تحقق تلك الأدوية مفعولها كاملا ؟ والجواب : إن ذلك مشكوك فيه ، لأن تلك المستحضرات ليست سوى أدوية قد تتمثل في الجسم ، وقد لا تتمثل ، لأنها مركبة تركيبا صناعيّا ، فأين من هذا التركيب ، ما تستطيع الطبيعة أن تصنعه لأجسادنا ما دامت هذه الصناعة الطبيعية هي الأصل ؟ . . إن طبقا من العدس ، أو حساء العدس ، خير لك من زجاجة كاملة من شراب الحديد ، فالحديد الطبيعي الموجود في العدس تهضمه المعدة ، ويتقبله الجسم ، وتطلبه الكريات الحمر في السبانخ والخضروات الأخرى وفي بعض الفواكه ، فكيف . . كيف نترك هذه المصادر الطبيعية للحديد - وغيره - لنتلمسها في الشراب المصنوع ، الذي يعتمد على برادة الحديد ، قوام الأدوية الحديدية ، أو في دماء الحيوانات الذبيحة في المسالخ ، قوام شراب الهيموغلوبين ؟ . . * * * عندما نريد - نحن الأطباء - أن نزيد في كمية بول الإنسان لمساعدته على طرح السموم من جسمه أو غسل كليتيه ، فإننا نعطيه مادة « الأوروتروبين » وأملاح الزئبق ، وهي